أخبار فرنسا – في خطوة غير مسبوقة، كشفت وزيرة العمل والصحة والتضامن والأسرة الفرنسية، كاثرين فوتران، عن تفاصيل مشروع قانون جديد يهدف إلى مكافحة الاحتيال الاجتماعي في البلاد. هذا المشروع الذي ينتظره العديد من الفرنسيين بشغف يأتي في إطار مساعي الحكومة لمكافحة استنزاف المال العام وتحقيق العدالة الاجتماعية. من المقرر أن يتم مناقشة هذا القانون في البرلمان الفرنسي في نهاية العام الحالي.
في وقت حساس يعاني فيه الاقتصاد الفرنسي من تحديات كبيرة، يسعى هذا المشروع إلى تعزيز الرقابة على المساعدات الاجتماعية في محاولة لتقليص الفجوات التي تنشأ نتيجة لممارسات الاحتيال. حيث أشار رئيس الوزراء الفرنسي، فرانسوا بايرو، في وقت سابق إلى ضرورة العمل على تقليص العجز العام في فرنسا والبالغ نحو 43.8 مليار يورو بحلول عام 2026، مشيرًا إلى أن مكافحة الاحتيال في المساعدات العامة سيكون أحد الركائز الأساسية لهذا التوجه.
وزيرة التضامن كاثرين فوتران كانت واضحة في تصريحاتها حيث أكدت أن “الاحتيال الاجتماعي هو خيانة لأولئك الذين يدفعون من أموالهم لتمويل النظام الاجتماعي”. كما أكدت على أن الحكومات المتعاقبة لابد أن تتخذ خطوات فعالة لمعالجة هذه الظاهرة التي تضر بالنظام الاجتماعي وتؤثر سلبًا على المواطنين الملتزمين بالقوانين. ويقدر المسؤولون الفرنسيون أن الخسائر الناتجة عن الاحتيال الاجتماعي في فرنسا تصل إلى حوالي 13 مليار يورو سنويًا، وهو مبلغ ضخم كان من الممكن أن يُستخدم في تعزيز السياسات الاجتماعية الأخرى مثل الرعاية الصحية والتعليم ودعم الفئات الأقل حظًا.
وتتضمن بنود هذا القانون منح صناديق الضمان الاجتماعي في فرنسا حق الوصول إلى جميع ممتلكات الأفراد المستفيدين من المساعدات الاجتماعية، وذلك بهدف التأكد من عدم وجود دخل غير مُصرّح به قد يساعد في زيادة الدخل الشخصي للمتقدمين للمساعدات. بالإضافة إلى ذلك، يسعى القانون إلى تحسين آليات استرداد الأموال من إعانات البطالة في حالة اكتشاف حدوث “احتيال ثابت” من قبل المستفيدين. في حالات كهذه، سيكون بإمكان السلطات المالية مطالبة الأفراد بإرجاع المبالغ المستحقة بالكامل، وهو ما كان غير ممكن في السابق ضمن أنظمة المساعدات الاجتماعية.
علاوة على ذلك، سيتم تنفيذ إجراءات جديدة تضمن دقة البيانات المتعلقة بالنقل الصحي. حيث يطالب القانون الجديد شركات النقل الصحية بتطبيق تقنيات متطورة مثل “الجي بي إس” (نظام تحديد المواقع) ونظام الفواتير الإلكترونية المدمجة، وذلك بهدف ضمان أن المسافات المُعلن عنها لا تحتوي على أي تزوير أو مبالغات. يعتبر هذا أحد الخطوات الحاسمة لضمان نزاهة وكفاءة نظام المساعدات الصحية، والتي تشمل النقل الطبي للأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية طبية مستمرة.
تُظهر تصريحات كاثرين فوتران التزام الحكومة الفرنسية بمحاربة كافة أشكال الاحتيال، بما في ذلك من خلال فرض تدابير أشد صرامة على الأشخاص الذين يستغلون النظام الاجتماعي. كما سيتضمن القانون الجديد إقرار إجراءات صارمة لضمان أن إعانات البطالة تُصرف فقط عبر الحسابات المصرفية التي تقع ضمن الأراضي الفرنسية أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيسهل عملية تتبع المدفوعات وضمان عدم تسريب الأموال إلى الخارج.
هذه الإجراءات تأتي في وقت حساس، حيث تُواجه فرنسا تحديات اقتصادية كبيرة، خاصة في ظل الأزمات المالية والاقتصادية التي خلفتها جائحة كورونا وأزمة الحرب في أوكرانيا. وبالتالي، فإن هذا المشروع يمثل خطوة كبيرة نحو استعادة الثقة في النظام الاجتماعي، وضمان أن المساعدات تذهب إلى مستحقيها الفعليين فقط. ويُتوقع أن يشهد القانون نقاشًا واسعًا في البرلمان الفرنسي بين المؤيدين والمعارضين، حيث يرى البعض أن الإجراءات قد تؤدي إلى انتهاك الخصوصية الشخصية، بينما يرى آخرون أنها ضرورية لضمان نزاهة النظام الاجتماعي الفرنسي.
تتمثل أبرز النقاط في مشروع القانون في فرض رقابة أكبر على المساعدات الاجتماعية، تحسين الآليات التي تمكن من استرداد الأموال في حالة الاحتيال، وتطبيق تقنيات جديدة لضمان دقة الفواتير والمسافات في النقل الصحي، بالإضافة إلى ضمان صرف إعانات البطالة فقط عبر الحسابات البنكية الأوروبية. كما يُنتظر أن تكون هناك تدابير ضد الاحتيال الضريبي سيتم الكشف عنها من قبل الوزيرة المسؤولة عن حسابات الدولة.
تسعى الحكومة الفرنسية إلى مواجهة هذه التحديات بطريقة شاملة تأخذ في الاعتبار العدالة الاجتماعية مع الحفاظ على استقرار المالية العامة للبلاد. إذا تمت الموافقة على هذا المشروع، فإنه سيشكل خطوة هامة نحو ضمان تكافؤ الفرص وحماية أموال دافعي الضرائب من الاستغلال غير المشروع.
يأتي هذا المشروع ضمن مجموعة من التدابير التي تعكس جدية الحكومة في مواجهة الاحتيال الاجتماعي والمالي، في وقت تشهد فيه فرنسا ضغطًا ماليًا متزايدًا بسبب التحديات الاقتصادية.



